الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

165

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

المغايرة بين الوجوب والندب المأخوذ صفة للفعل والملحوظ جهته لإيقاعه فقد يتوافق الوجهان كما إذا لاحظ في المقام امتثال الأمر الوجوبي فقد أدى الفعل المتصف بالوجوب من جهة وجوبه ولو لاحظ امتثال الأمر الندبي اختلف الوجهان لاتصاف الفعل واقعا بالوجوب وأدائه على جهة الندب لإتيانه به بملاحظة أمر النادب خاصة فإن قلت إن الأمر الإيجابي المتعلق بالفعل قاض بإنشاء وجوبه كما أن الأمر الندبي قاض بإنشاء ندبه فيلزم اجتماع الحكمين المفروضين فكيف يتصور تعلق الأمرين به مع المنع من اجتماع الحكمين المتفرعين عليهما قلت قد عرفت أن مدلول الأمر الإيجابي أو الندبي ليس إنشاء الطلب الخاص الحاصل بعنوان الحتم أو عدمه وأما وجوب الفعل بحسب الواقع أو ندبه فهو مما يلزم من الطلب المفروض في صوره وظاهر أن الإنشاء بين المفروضين لا مدافعة بينهما بوجه لوضوح أن الإنشاء طلب الفعل لبعض الجهات على وجه غير مانع من النقيض لا ينافي إنشاء طلبه بإنشاء آخر على وجه مانع منه من جهة أخرى والذي يتراءى التدافع فيه إنما هو بالنسبة إلى ما يتفرع على الإنشائين المذكورين من الحكم فإنه إذا كان الأمر ممن تعبد بقوله ويجب طاعته عقلا أو شرعا يتفرع على إنشائه الأول وجوب الفعل بالمعنى المصطلح أعني رجحانه على نحو لا يذم تاركه فيلزم إذن توارد السلب والإيجاب على مورد واحد ويدفعه أنه ليس مقتضى إنشائه الطلب الندبي عدم المنع من الترك مطلقا وإنما مقتضاه عدم حصول المنع من الترك بذلك الطلب لعدم بلوغ الطلب هناك إلى حد الإلزام والمنع من الترك فلا مانع ما لو حصل هناك رجحان آخر للفعل بالغ إلى حد المنع من الترك فإذا حصل الالتزام والمنع من الترك فلا مانع بطلب آخر ومن جهة أخرى لم يزاحم ذلك لما عرفت من عدم اقتضاء في الطلب المذكور وعدمه وحينئذ يتصف الفعل بالوجوب من دون معارضة الأمر الندبي له فيكون الصفة الثابتة للفعل بحسب الواقع هو الوجوب خاصة وأما الندب فإنما يثبت له مع قطع النظر عن الجهة الموجبة وهو فرض مخالف للواقع إذ المفروض حصول تلك الجهة بخلاف الوجوب فإنه يثبت له مع ملاحظة الجهة النادبة أيضا لما عرفت من عدم المنافاة بين ثبوت المنع من الترك من جهة قيام مقتضيه وانتفاء المنع من الترك بمقتضى ذلك الأمر المقتضي للندب فاتضح بذلك عدم المنافاة بين الأمرين المفروضين المتعلقين بذلك الفعل لا من جهة أنفسهما لتوهم اقتضاء أحدهما المنع من الترك والآخر جوازه لما عرفت من أن اقتضاء الجواز ليس مطلقا بل بالنسبة إلى ذلك الطلب الخاص ولا من جهة ما يلزمهما من الحكمين لما عرفت من عدم لزوم الاستحباب للطلب الندبي إذ قد ينضم إلى ذلك ما يفضي إلى وجوبه كما هو المفروض في المقام فأقصى الأمر حصول الجهة النادبة في الفعل وهو غير حصول الندب بالفعل ليزاحم الوجوب وربما يجعل المقام من قبيل اجتماع الحكمين أعني الوجوب والندب من جهتين بناء على الاكتفاء باختلاف الجهة في ذلك حسبما يجيء الإشارة إليه في محله ويندفع بذلك المنافاة المذكورة أيضا إلا أنه موهون بما سنفصّل القول فيه من بيان فساده والحاصل أن مفاد الوجوب هو رجحان الفعل البالغ إلى حد المنع من الترك بعد ملاحظة جميع جهاته والندب رجحانه الغير البالغ إليه كذلك ولا يعقل رجحانه الغير البالغ إليه كذلك إمكان بلوغ رجحان الفعل إلى الحد المذكور على الوجه المفروض وعدم بلوغه إليه بحسب الواقع نعم لو فسر الوجوب والندب ببلوغ الفعل إلى أحد الحدين المذكورين نظرا إلى بعض الجهات وإن حصل هناك ما يزاحمه أمكن الاجتماع باختلاف الجهات إلا أن التفسير المذكور خارج عن الاصطلاح وليس من محل الكلام الواقع في جواز اجتماع الأحكام وعدمه إذ جواز الاجتماع على الوجه المذكور مما لا مجال لإنكاره إذ لا يتصور مانع أصلا هذا واعلم أن الأوامر الغير المتعلقة بمفهوم واحد من قبيل المذكور إذ ليس المقصود من كل من التكاليف المذكورة إلا إيجاد مطلق الطبيعة لأجل التوصل إلى ذلك الغير الحاصل بإيجاد فرد منها فلو كانت هناك غايات عديدة يتعلق الأمر بها من جهة كل واحد منها تأدت تلك الواجبات بأداء تلك الطبيعة مرة وكذا لو كانت بعضها واجبة وبعضها مندوبة سواء أتى به المكلف بملاحظة جميع تلك الواجبات الجهات أو أتى به لخصوص الجهة الموجبة أو النادبة وكذا الحال لو كان واحد من تلك التكاليف أمرا نفسيا والباقي غيريا ومن ذلك يعرف الحال في الوضوء عند تعدد غاياتها مع وجوب الجميع أو استحبابها أو اختلافها فيصح الإتيان بها بملاحظة جميع تلك الجهات وبعض منها ومع قطع النظر عن ملاحظة خصوص شيء منها إذا علم حصول الجهة الراجحة في الجملة وأتى به من حيث رجحانه مع عدم ملاحظة الخصوصية ومع كون واحد من تلك الجهات موجبة يتصف الفعل بالوجوب وإن كان الباقي نادبة ولو أتى به بملاحظة الجهة النادبة خاصة فقد أتى بالواجب لا من جهة وجوبه بل من الجهة المرجحة له بما دون الوجوب حسبما مر بيانه ويجري ما ذكرناه في المندوبات بالمنذورة إذا لم نشترط في أداء المنذور ملاحظة جهة النذر كما هو قضية إطلاق المنذور فإنه إذا أتى به مع الغفلة عن تعلق النذر به فقد أتى بما يجب عليه لا من جهة وجوبه بل لندبه في نفسه فيكون امتثالا للأمر الندبي وأداء للواجب بالنسبة إلى المنذور وهكذا الحال في نظائر ما ذكرناه ثانيها أن يتعلق أمران أو الأوامر بمفهوم واحد مع كونه قابلا للتكرار من غير أن يعلم كون المقصود مجرد الإتيان بالطبيعة على سبيل الإطلاق وحينئذ فهل يكون تعدد الأوامر القاضية بتعدد التكليف قاضيا بتعدد المكلف به أيضا ليتوقف امتثال الأمرين أو الأوامر على تكرار الفعل على حسب الأمر فلا يكون الإتيان بها مرة كافيا في أداء تلك التكاليف وجهان بل قولان وهذه المسألة وإن لم يعنونوا له بحثا في الكتب الأصولية لكن يستفاد الخلاف فيه بملاحظة ما ذكروه في خلاف تداخل الأسباب في الغسل وما احتجوا به على التداخل وعدمه في ذلك المقام والظاهر كون تعدد التكليف حينئذ قاضيا بتعدد المكلف به فلا يحصل البراءة من الجميع إلا بتكرار إيجاد الطبيعة على حسب الأمر وظاهر فهم العرف حينئذ أقوى دليل عليه ولا فرق حينئذ بين ما إذا علم أسباب تلك التكاليف أو لم يعلم شيء منها أو علم السبب في بعضها دون البعض وما إذا علم اتحاد أسبابها أو اختلافها وإن كان الحكم في صورة تعدد الأسباب أظهر فالأصل مع تعدد التكليف عدم تداخل التكاليف في الأداء إلا أن يدل دليل على الاكتفاء به وهذا الأصل كما عرفت من الأصول المستندة إلى اللفظ بحسب فهم العرف حيث إن المفهوم من الأوامر بعد ضم بعضها إلى البعض